أبرشية صور للروم الملكيّين الكاثوليك
لمحة تاريخية
الجذور الرسوليّة
دخلت المسيحيّة مدينة صور منذ العهد الرسوليّ مباشرة. يذكر الإنجيل أنّ السيّد المسيح خرج إلى نواحي صور وصيدا (متّى ٢١:١٥، مرقس ٢٤:٧)، وأنّ جمعًا من الشعب جاء من صور وصيدا ليسمعوه (لوقا ١٧:٦). وفي قانا الجليل، صنع أُولى معجزاته بتحويل الماء إلى خمر. كما تشير أعمال الرسل إلى نزول القدّيس بولس في صور والتقائه بالمؤمنين هناك ماكثًا فيها مدّة أسبوع (أعمال ٢١، ٣-٦). وبذلك، تُعدّ صور كرسيًّا رسوليًّا، إذ كان أوّل أسقف لها من الرسل أنفسهم أو من تلاميذهم، وبقيت المسيحيّة فيها متّصلة منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا.
العهد الرومانيّ والبيزنطيّ
في سنة ٣١١ م، منح الملك قسطنطين الكبير الحرّيّة الدينيّة للمسيحيّة، ممّا أدّى إلى نموّ الجماعة المسيحيّة في مدينة صور. تميّزت صور بكونها «أمّ المدن» وحاضرة فينيقيّة كبرى، ولذلك كان أسقفها من رتبة «متروبوليت»، وحاز على لقب «صاحب الكرسيّ الأوّل». وكان له التقدّم على سائر مطارنة المنطقة مترائسًا مدينتَي صور وصيدا، وخاضعة لها كراسي أبرشيّات طرابلس والبترون وجبيل وعرقا وطرسوس. وفي بعض الفترات، أُعطي أسقف صور لقب بطريرك إكرامًا لعظمة المدينة وقِدَمها ومسيحيّتها، قبل أن يُخصَّص هذا اللقب قانونيًّا بأصحاب الكراسي الرسوليّة الأولى.
القرون الوسطى
مع الفتح العربيّ ثمّ الحروب الصليبيّة والتقلّبات السياسيّة، تأثّرت المسيحيّة في صور. هُدِمَت أديار وكنائس، وضعفت الحياة الرعويّة، فضُمّت أبرشيّة صور إلى أبرشيّة صيدا لقلّة عدد الرعايا فيها. سبّبت هذه الحقبة انقطاعات في سلسلة مطارنة المدينة منذ القرن العاشر إلى بدايات القرن السابع عشر، غير أنّ الحضور المسيحيّ لم ينقطع كلّيًّا، وبقيت صور مدينةً ذات قيمة رسوليّة وروحيّة، وأحد أقدم المراكز الكنسيّة المستمرّة.
عهد فخر الدين وعودة الكرسيّ
في ظلّ الإمارة اللبنانيّة، بسط الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني نفوذه على الساحل، فأصبحت صيدا المركز التجاريّ الأهمّ، بينما بقيت صور تابعة لها دينيًّا. مع ازدياد عدد الروم بمن هاجروا من شمال لبنان وطرابلس وعكّار، أُقيم كاتب يد الأمير سابقًا الراهب إغناطيوس عطيّة مطرانًا لصور وصيدا، مثبِّتًا مكانة الكرسيّ، مدعومًا من الأمير، حائزًا حقّ التقدّم على مطران طرابلس، ومقيمًا في صيدا لعمرانها.
لاحقًا، عندما دخلت صور في حوزة عشائر بني علي الصغير أصحاب قلعة تبنين، ازداد عمرانها بالنصارى الروم من كتّاب وعمّال وتجّار حرير وقطن وسمسم، بمن فيهم عائلات مشاقة ومنسّى والفاخوري وأيّوب وحدّاد ونحّاس وسواهم. وفي أوائل القرن الثامن عشر، زار أحد الآباء اليسوعيّين مدينة صور فلم يجد فيها إلّا اثنَي عشر بيتًا للمسيحيّين، شهادةً على قِلّة الحضور آنذاك، رغم استمراريّة الكرسيّ.
الانفصال والنهضة الملكيّة الكاثوليكيّة
بفضل الجهود التي بذلها المطران أفتيميوس الصيفي (المولود عام ١٦٤٣، مؤسِّس الرهبانيّة الباسيليّة المخلّصيّة، والمتوفّى عام ١٧٢٣)، شهد الجنوب اللبنانيّ نهضة في الوجود المسيحيّ. استقدم أعدادًا كبيرة من المسيحيّين من حوران ودمشق وحلب، ممّا ساهم في ازدهار الأبرشيّة.
في عام ١٧٢٤، جرى الانفصال في البطريركيّة الملكيّة الأنطاكيّة، وأدّى إلى وجود كنيسة أرثوذكسيّة وأخرى كاثوليكيّة. تولّت الرهبانيّة المخلّصيّة إدارة وخدمة أبرشيّة صور التي انضمّت إليها أبرشيّة صيدا، واستمرّت هذه الإدارة حتّى سنة ١٧٥٢، حين أقدم البطريرك كيرلس طاناس على إعادة فصل متروبوليتيّة صور عن أبرشيّة صيدا، وعيّن المطران أندراوس الفاخوري أوّل مطران مستقلّ لها. حفظت الرهبانيّة المخلّصيّة أرشيف المتروبوليتيّة في دير المخلّص، وصانت المخطوطات والسجلّات والصور والوثائق.
من نهضة القرن التاسع عشر إلى اليوم
بدأت متروبوليتيّة صور تتطوّر أكثر فأكثر في أوائل القرن التاسع عشر بجهود العائلات المسيحيّة. أقدم السيّد جرجس مشاقة الدمشقيّ الذي اعتنق الكاثوليكيّة وتزوّج من هيلانة منسّى الصوريّة، على مساعدة أهالي صور وبناء كنيسة كبيرة للروم الملكيّين الكاثوليك. باتت متروبوليتيّة صور الأولى بين أبرشيّات المدينة، تجاورها أبرشيّات الموارنة والأرثوذكس، إلى جانب طائفتَي اللاتين والبروتستانت.
تمتدّ الأبرشيّة اليوم على مساحة نحو ١٥٠٠ كم²، وتشمل قضاء صور وقضاء بنت جبيل من الناحية الإداريّة والمدنيّة. يحدّها غربًا البحر الأبيض المتوسّط، وجنوبًا الحدود الفلسطينيّة، وشرقًا أبرشيّة بانياس - مرجعيون، وشمالًا نهر القاسميّة الذي يفصل متروبوليتيّة صور عن أبرشيّة صيدا.
تمتدّ جذور أبرشيّة صور في التاريخ المسيحيّ منذ العهد الرسوليّ الأوّل، ولا تزال حاضرةً إلى اليوم. في ما يلي محطّات من مسيرتها، من زيارة السيّد المسيح لتخوم صور، إلى عهد النهضة في القرن التاسع عشر، وصولًا إلى الأبرشيّة كما نعرفها اليوم.
المصادر
- الأب قسطنطين الباشا المخلّصي، تاريخ الطائفة، الجزء الأوّل.
- المتروبوليت ميخائيل أبرص ق.ب. و د. آني طوروسيان، إكليروس الروم الملكيّين الكاثوليك، أبرشيّة صور وتوابعها.
اكتشف المزيد
تعريف
تعرّف أكثر على هوّة أبرشية صور وما هي طبيعة الرسالة التي تخدمها بكل تفانٍ وإيمان.
اقرأ المزيدراعي الأبرشية
سيادة المتروبوليت جورج إسكندر، رئيس أساقفة صور للروم الملكيّين الكاثوليك منذ عام ٢٠٢٢ : سيرته وخدمته الرعويّة.
اقرأ المزيدكهنة الأبرشية
الكهنة الذين يخدمون رعايا الأبرشيّة اليوم - من الكهنة الأبرشيّين والرهبان الباسيليّين المخلّصيّين.
اقرأ المزيدسلسلة الأساقفة
قائمة الأساقفة الذين تعاقبوا على كرسيّ صور منذ القرن السابع عشر من المطران أفتيميوس الصيفي إلى اليوم.
اقرأ المزيد